.....


أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

قلوب جريحه

اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

1 قلوب جريحه في الأحد يوليو 11, 2010 4:59 pm

اليكم اخوانى واخواتى الكرام قلوب جريحة

وكــــــــــم مــــــــــن قلـــــــــــــــوب جريحـــــــــــه ولا نعــــــلم عنـــــها شــــــــــىء.........


ارجـــــــــو ان ينـــــــــال اعجـــــــــــابكـــــــــــم

قلوب حريحه



رسالة إلى الحبيب


هل نحن أهل لمحبته؟

من وراء اللحود، من وراء الحدود، بعيدا في الزمان والمكان، تفصلني عنك يا سيدي الكريم البحار والأخاديد، ولكن قلبي عنك ما انفصل.. أردت مناجاتك أردت مخاطبتك، مساررتك وأنت من أنت في مكانته، وأنا الفقير في أرض الله وتحت سمائه، أهنئ نفسي أم أعزيها؟ بماذا أبدأ شكواي وعن ماذا أحدثك.

تركت يا سيدي بلاد بلقيس واحدة، فصار لعقود طوال اليمن يمنين، وكاد لبنان أن يصبح لبنانين، والسودان في الطريق إلى سودانين، حتى "بلغ الإعجاز لدينا أن الواحد منا يستطيع أن يكون من نفس فرقة ناجية، ثم لا يلبث نصفه الأيمن أن يعلن انشقاقه على نصفه الأيسر"!!.[/COLOR


]أذلة مستضعفين!


هل تعلم يا سيدي أننا أصبحنا كثرة حتى إنك تجد آثارنا في كل ناحية من هذه الأرض، لكننا لم يُجْدِ كمّنا، فالكيف قد انحسر وغاب..، أصبحنا أذلة مستضعفين، نمشي الهوينا، نحاذي الجدران على استحياء، حتى لا نوقظ الجيران أو نستثير غضبهم وويلاتهم...

وضعنا المشانق ومحاكم التفتيش لمن خالفنا الرأي من أبناء جلدتنا، من بين أحفادك، وكثرت جرائمنا، وانتزعنا الرأفة والرحمة من قلوبنا، حتى حفرنا المقابر الجماعية لأبناء وطننا، ورششنا المواد السامة على أطفالنا وعجائزنا، ونسينا ما تركته فينا... حتى قيل فينا: "إن امتيازنا الوحيد هو أننا شعب بإمكان أي مواطن فيه أن يكفّر جميع المواطنين، ويحجز الجنة التي عرضها السماوات والأرض له وحده"!!.

عن أبي هريرة أن أعرابيا دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فصلى، قال ابن عبدة ركعتين، ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد تحجرت واسعا"، ثم لم يلبث أن بال في ناحية المسجد فأسرع الناس إليه فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين صبوا عليه سجلا من ماء أو قال ذنوبا من ماء (صححه الألباني).

وأرهبنا الناس يا سيدي... حتى ضاقوا ذرعا بنا، ولولا أن دينك سمح معقول، وسهل الاستساغة والقبول، لنبذه الناس من حالنا، فقد فتناهم بضعفنا وفقرنا وتخلفنا، وكادوا يربطون دينك بسلوكنا وتصرفاتنا، ونسينا أننا أصحاب مشروع رحمة ورفق ولطف وإنسانية.. قيل لك يا رسول الله ادع على المشركين، فقلت: "إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً" رواه مسلم.

لعلك يا سيدي تسأل عن أحفاد حمزة وخالد وعلي والقعقاع وسعد وعقبة وطارق، لعلك تسأل عمن خلف ابن الخطاب وابن عبد العزيز في حكمهم وعدلهم وسؤددهم، إني لأستحي حياء العذراء عن إجابتك! هل أقول لك عجزت النساء أن يلدن أمثالهم؟ أم أقول لك عجزنا أن نكون أتباعهم؟ هل أقول ظلمنا الناس وما كنا لأنفسنا ظالمين؟ أم أقول لك... بأيد مرتعشة، وألسنة مضطربة... حتى لا تفهم قولي.. حتى لا أجرح مشاعرك.. حتى لا أبخس آمالك فينا.. حتى لا تقول عنا يوم نلقاك سحقا سحقا، فما هم أصحابي، ما هم أحبابي، ما هم من أمتي.. عذرا يا سيدي لن أجيب، لن أجيب، لن أجيب...

هذا حالنا يا سيدي ولكن بشائرك لم ننسها ولن ننساها، وهي آمالنا وأحلام يقظتنا، ودافعنا إلى النهوض والتوكل وعدم التواكل... "إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الأرْضَ أَوْ قَالَ إِنَّ رَبِّي زَوَى لِي الأرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ مُلْكَ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الأحْمَرَ والأبْيَضَ وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي أَنْ لا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ ولا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ".

حملت يا سيدي هموم الأمة وأردتها عالية بين الأمم، وتركتها وأنت راض عنها، فكان الأجداد وبنوا حضارة، ثم خلف الأحفاد وأضحوا أجلافا إلا من رحم ربك وهم قليل، يتذللون على موائد الغير ويأكلون الفتات ويعيشون مع الأموات. كان مشروعك مشروع أمة سهرت عليه الليالي، كنت منتصبا بالليل قائما بالنهار.


ما أنصفناك..!


عذرا يا سيدي فقد أنصفك الغير وما أنصفك قومك، وهذا ملاذي وخلاصي؛ فاسمع يا سيدي هذه الكلمات على حياء من تقصيري وجهلي لعلها أن تزيد أملي وتنزع إحباطي وتفتح عيني على عظمتك ورحمتك...

فهذا الإنكليزي "برناردشو" يُحيي ذكراك وهو من غير ملتك، اعتبارا لشأنك واحتراما لمشروعك: "إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكير محمد، هذا النبي الذي وضع دينه دائما موضع الاحترام والإجلال فإنه أقوى دين على هضم جميع المدنيات، خالدا خلود الأبد، وإني أرى كثيرا من بني قومي قد دخلوا هذا الدين على بينة، وسيجد هذا الدين مجاله الفسيح في هذه القارة"!!.

وهذا الأمريكي "مايكل هارت" يجعلك الأول بين العظام في التاريخ وقد غفلنا عن عظمتك وتجاهلنا مركزك ومكانتك: "إن اختياري محمدا ليكون الأول في أهم وأعظم رجال التاريخ قد يدهش القراء، ولكنه الرجل الوحيد في التاريخ كله الذي نجح أعلى نجاح على المستويين: الديني والدنيوي"!!!.

وهذا الفرنسي "لا مرتين" لا يهضمك حقك ولعله قد هضمناه لما تنكرنا لإرثك واستحيينا من حمله عاليا بين الأمم: "إذا كانت الضوابط التي نقيس بها عبقرية الإنسان هي سمو الغاية والنتائج المذهلة لذلك رغم قلة الوسيلة، فمن ذا الذي يجرؤ أن يقارن أيا من عظماء التاريخ الحديث بالنبي محمد"!!!.

ولم يسع رجلا في سماحته كـ"غاندي" إلا أن يبادلك لطفه وتقديره، وقد تناسينا سلوكك ويومك وليلك ورفقك وزهدك: "لقد أصبحت مقتنعا كل الاقتناع أن السيف لم يكن الوسيلة التي من خلالها اكتسب الإسلام مكانته، بل كان ذلك من خلال بساطة الرسول مع دقته وصدقه في الوعود، وتفانيه وإخلاصه لأصدقائه وأتباعه، وشجاعته مع ثقته المطلقة في ربه وفي رسالته".

وهذا الروسي "تولستوي" يتنبأ لك ولمشروعك بالسيادة رغم هناتنا وضعفنا وكأننا قد استبدلنا الله وجعل شرف الحمل لغيرنا: "يكفي محمدا فخرا أنه خلّص أمة ذليلة دموية من مخالب شياطين العادات الذميمة، وفتح على وجوههم طريق الرقي والتقدم، وأن شريعة محمد ستسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة"!!!.

عذرا يا سيدي على الإطالة، أعلم أني لم أطيب خاطرك ولكن هذا حالي وحال أمتك. ورغم المطبات والأزقة، رغم المنافي والأخاديد؛ فما زلت متفائلا بأن إرهاصات النهوض قد غلبت وداعات المثوى الأخير، وأن المارد قد تمدد، والرماد قد تمرد، والأفق قد تلبد، والضمير قد تنهد، والسيد قد تسيد، وإن الصبح لقريب...!.



قلوب جريحة

الوسوسة سلاح الشيطان*



مما لا شك فيه أن العداوة بين الإنسان والشيطان عداوة قديمة. فمنذ أن أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لأبينا آدم عليه السلام؛ أبى إبليس واستكبر، وأعلن العداوة والحرب على بني آدم. كما أخبر تعالى عن ذلك: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}.

وكما قعد لنا بمحاولة الغواية والإضلال في كل طريق ومرصد؛ فإنه حريص على قذف سمومه في قلوب المسلمين؛ كي يزعزع إيمانهم بالله العزيز الحميد. ويلقي بالريب فيما أخبرنا الله به من الغيب في كتابه المجيد.

فعن سبرة بن أبي فاكه رضي الله عنه؛ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إنّ الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد بطريق الإسلام، فقال: تُسلمُ وتذر دينك ودين آبائك وآباء آبائك؟ فعصاه وأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة، فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءَك؟ وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول، فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال: تجاهد؟ فهو جَهدُ النفس والمال، فتقاتلُ فَتُقْتَلُ، فتنكح المرأة ويُقسَم المال؟ فعصاه فجاهد،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمن فعل ذلك كان حقا على الله أن يدخله الجنة، ومن قُتل كان حقا على الله أن يُدخله الجنة، وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة، وإن وقصته دابته كان حقا على الله أن يدخله الجنة" [رواه النسائي وقال الحافظ: إسناده حسن..].

ومن رحمة الله بعباده أنه لم يجعل للشيطان على المؤمنين من سلطان: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} (الحجر:42). كما وصف سبحانه كيد الشيطان بأنه ضعيف: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفا}. فلما لـم يجد الشيطان سبيلا على المؤمنين لجأ إلى الوسوسة.


معنى الوسوسة



الوسوسة والوَسواس: ما يلقيه الشيطان في القلب. وقال الراغب: الوسوسة: الخطرة الرديئة ، وقال البغوي: الوسوسة القول الخفي لقصد الإضلال، والوسواسُ: ما يقع في النفس وعمل الشر وما لا خير فيه، وهذا بخلاف الإلهام فهو لما يقع فيها من الخير.

وقال ابن القيم رحمه الله: "الوسوسة: الإلقاء الخفي في النفس إما بصوت خفي لا يسمعه إلا من أُلقِيَ عليه، وإما بغير صوت كما يوسوس الشيطان للعبد".


فتاة ما تكون الوسوسة من فعل الشيطان الجني؛ كما قال تعالى: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا}(الأعراف:20)، وسمى الله تعالى شيطاني الجن والإنس "وسواسا" فقال تعالى: {مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ - الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ}، وتارة تضاف الوسوسة إلى فعل النفس كما قال تعـالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُه} (ق:16).
أنواع الوسوسة



يحضر الشيطان ابن آدم عند كل شأنه؛ حتى عند طعامه وشرابه فتنة وابتلاء. ولكن غرضه الأعظم الكبير في إفساد إيمان المؤمن؛ فهو يسعى بخيله ورجله ليطفئ نور العلم والهداية في قلبه، ويوقعه في ظلمة الشكِّ والحيرة. ومن هنا كانت وساوسه تتجه صوب أمرين دينيين:

الوسوسة في العمليات: [COLOR="Teal"


]وهي العبادات والمعاملات، فهو يحضر المسلم عند طهارته وصلاته وذكره ودعائه، وحجه وطوافه وصيامه، ليلبّس على الناس عباداتهم ويفسد عليهم طاعاتهم. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنّ الشيطان إذا سمع النداء أحال(ذهب هاربا) له ضراط، حتى لا يسمع صوته، فإذا سكت رجع فوسوس، فإذا سمع الإقامة ذهب لا يسمع صوته. فإذا سكت رجع فوسوس".(رواه البخاري ومسلم).

وتعد وسوسة العبادات أمرا يوقع فيه الشيطان بعض الناس؛ فيأتيهم في الصلاة مثلا؛ فيخيل إليهم أنهم قد أحدثوا أو أن الواحد منهم صلى ثلاثا بدلا من أربع ركعات. وكأن يأتي العبد بعد الفراغ من التوضؤ فيوسوس له أنه لم يمسح رأسه، أو لم يغسل العضو كما ينبغي.

وعلاج هذا النوع أساسا بعدم الالتفات له؛ خصوصا إذا صار عادة للشخص. وقد دل على هذا العلاج خير البشر صلى الله عليه وسلم حين قال: "إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في صلاته حتى يفتح مقعدته فيخيل إليه أنه أحدث.ولم يحدث، فإذا وجد أحدكم ذلك فلا ينصرف حتى يسمع صوت ذلك بأذنه أو يجد ريح ذلك بأنفه" (رواه الهيثمي في المجمع، وقال:رجاله رجال الصحيح).

وسوسة الشيطان في العِلْمِيَّات:

وهي مسائل الاعتقاد والإيمان، وهو أشدُّ النوعين؛ ذلك لأنّ التوحيد: هو أساس الإسلام، وصرحه الشامخ، ورأس مال المؤمن، ومن خلاله يمكن للشيطان أن ينفث سمومه ليفسد على المرء دينه.

ولهذا يوجه إبليس جلَّ سهامه وجنوده لإفساد هذه العقيدة، والتشكيك في التوحيد الخالص؛ فتنة للناس عن دين الحق. كما قال صلى الله عليه وسلم: "إنّ عرش إبليس على البحر فيبعث سراياه فيفتنون الناس فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة" (رواه مسلم).

فمن حيل الشيطان وألاعيبه ببعض الناس؛ أن يزين لهم حبَّ الفضول والسؤال؛ عما لا قِبَلَ لمخلوق أن يدركه عن الخالق عز وجل. فتقع وسوسة السؤال عن ماهية الله تعالى، ووجوده.

وقد يقع شيء من هذا لكثير من المؤمنين الصادقين؛ فيدفعونه بالاستعظام والإجلال. كما أتى في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه: "إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم. قال: ذاك صريح الإيمان" (رواه مسلم).

وعن عبد الله رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة، قال: "تلك محضُ الإيمان" (رواه مسلم). قال الخطابي: "معناه: أنّ صريح الإيمان هو الذي منعكم من قول ما يلقيه الشيطان في أنفسكم والتصديق به، وليس معناه أنّ الوسوسة نفسها صريح الإيمان. وذلك أنها إنما تتولد من فعل الشيطان وتسويله، فكيف يكون إيمانا صريحا؛ لأنّ الإيمان: التيقن، وأنّ الإشارة إلى أنّ ما وجدوه من الخوف من الله تعالى أن يعاقبهم على ما وقع في نفوسهم: هو محض الإيمان؛ إذ الخوف من الله تعالى ينافي الشك فيه" .

وقال ابن تيمية رحمه الله: "أي حصول هذا الوسواس مع هذه الكراهة العظيمة له، ودفعه عن القلب هو من صريح الإيمان، كالمجاهد الذي جاءه العدو فدافعه حتى غلبه. فهذا أعظم الجهاد و(الصريح) الخالص كاللبن الصريح، وإنما صار صريحا لما كرهوا تلك الوساوس الشيطانية، ودفعوها فخَلص الإيمان فصار صريحا ...".

وقال: "فالشيطان لما قذف في قلوبهم وسوسة فدفعوه؛ تحرك الإيمان الذي في قلوبهم بالكراهة لذلك، والاستعظام له. فكان ذلك صريح الإيمان. ولا يقتضي ذلك أن يكون السبب الذي هو الوسوسة مأمورا به. والعبد أيضا قد يدعوه داعٍ إلى الكفر أو المعصية فيعصيه ويمتنع؛ ويورثه ذلك إيمانا وتقوى.

وليس السبب مأمورا به، وقد قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ} (آل عمران: 173- 174).

فهذا الإيمان الزائد والتوكل كان سبب تخويفهم بالعدو، وليس ذلك مشروعا بل العبد يفعل ذنبا فيورثه ذلك توبة يحبه الله بها، ولا يكون الذنب مأمورا به وهذا باب واسع جدا..".

هذا وقد أنبأ نبينا صلى الله عليه وسلم أصحابه أنّ هذه الوساوس سيتكلم بها الناس، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يزالون يسألونك يا أبا هريرة حتى يقولوا: هذا الله فمن خلق الله؟" قال: فبينما أنا في المسجد إذ جاءني ناس من الأعراب فقالوا: يا أبا هريرة هذا الله، فمن خلق الله؟ قال: فأخذ حصى بكفه فرماهم، ثم قال: قوموا قوموا، صدق خليلي" رواه مسلم.
طرق العلاج


إنّ السلامة من فتنة الشيطان بالوسوسة في الإيمان والاعتقادات تكون بطريقتين:


الطريقة الأولى: وقائية:


وهي الاحتراز من الوسوسة قبل حصولها؛ بالتحصن العلمي والعكوف على مسائل التوحيد والإيمان، دراسة ومذاكرة، لأنّ الشيطان لا يجد السبيل سالكا لتشكيك أهل العلم بالإيمان.

فكلما أراد عدو الله أن يصرعهم صرعوه، وإذا شغب عليهم بوساوسه، ردوها عليه بما عندهم من الهدى والعلم ورجموه: "وَلَعالِـمٌ واحد أشدّ على الشيطان من ألف عابد". ومَن عرف الله تعالى من خلال صفاته ومخلوقاته، عظّم ربه حق التعظيم، وقَدَّره كل التقدير، ولا يزال أبدا يحسن الظن بمولاه حتى يلقاه.

الطريقة الثانية: طريقة دفاعية (إذا وقعت الوسوسة في النفس ،دفعها المسلم المدرك، وأبطلها بستة أمور):

أولا: الكف عن الاسترسال في الوسوسة. والانتهاء عنها بقطع حبالها ومتعلقاتها؛ مستعينا على ذلك بالاستعاذة بالله من شر الشيطان الرجيم؛ وذلك لما في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا وكذا حتى يقول له: من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته"(رواه مسلم).

والمعنى: إذا عرض له هذا الوسواس؛ فليلجأ إلى الله تعالى في دفع شره، وليعرض عن الفكر في ذلك، وليعلم أنّ هذا الخاطر من وسوسة الشيطان، وهو أن يسعى بالفساد والإغواء. فليعرض عن الإصغاء إلى وسوسته وليبادر إلى قطعها، بالاشتغال عنها.

وهذا كما قال تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} (الأعراف: 201-200).

وفي الحديث عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ للشيطان لـمَّة بابن آدم، وللمَلَك لـمَّة، فأما لـمَّة الشيطان، فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لـمَّة الملك، فإيعاد بالخير، وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك، فليعلم أنه من الله، فليحمد الله، ومن وجد الأخرى، فليتعوّذ بالله من الشيطان الرجيم".

فلابد إذن من ضبط النفس عن الاستمرار في هذه الوساوس، لأنّ الأضرار والعواقب المترتبة على التسليم لهذه الوساوس وخيمة.

ثانيا: لا يسأل أسئلة صريحة عن هذه الوساوس التي تدور بخاطره، أي لا يصرح بشيء من ذلك، فإنه في عافية، مادامت الوساوس محصورة في قلبه لم تنتقل بعد إلى لسانه. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله تجاوز لأمتي عما وسوست -أو حدثت -به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم"(البخاري ).

وهذا ما كان يتأدب به الصحابة إذا وقع لهم شيء من ذلك. كما في حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنّ النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل فقال: إني أحدث نفسي بالشيء، لأنْ أكون حُمَمَة أحب إليَّ من أن أتكلم به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله الذي ردَّ كيده إلى الوسوسة"( رواه أبو داود.).

ثالثا: أن يقول إذا وجد الوسوسة بثبات جنان ونطق لسان: "آمنت بالله"، وذلك لحديث: "لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا، خلق الله الخلق. فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئا فليقل: آمنت بالله" (رواه مسلم). ومن المعلوم أنّ الإيمان به تعالى هو ركن الإيمان الأول بالغيب، ومنه ينطلق الإيمان ببقية الأركان، فالتأكيد عليه بالنطق كذلك تذكير بالله تعالى وطرد للشيطان.

رابعا: قال ابن القيم رحمه الله: "وأرشد -يعني النبي صلى الله عليه وسلم- من بُلي بشيء من وسوسة التسلسل في الفاعلية، إذا قيل له: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ أن يقرأ: {هُوَ الأوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}(الحديد:3).

كذلك قال ابن عباس لأبي زُميل سماك بن الوليد الحنفي وقد سأله: "ما شيء أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قال: قلت: والله لا أتكلم به، قال: قال لي: أشيءٌ من شك؟ قلت: بلى. فقال لي: ما نجا من ذلك أحد، حتى أنزل الله عز وجل: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ}، قال: قال لي: فإذا وجدت في نفسك شيئا فقل: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.

فأرشدهم بهذه الآية إلى بطلان التسلسل الباطل ببديهة العقل، وأن سلسلة المخلوقات في ابتدائها؛ تنتهي إلى أول ليس قبله شيء. كما تنتهي في آخرها إلى آخر ليس بعده شيء. فهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء" .

خامسا: الالتجاء إلى الله تعالى بالدعاء، وطلب تثبيت القلب على الإيمان. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يدعو فيقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"وكان يقول أيضا: "إنّ الإيمان يبلى في جوف أحدكم كما يبلى الثوب؛ فاسألوا الله أن يجدد إيمانكم".

سادسا: إذا استمرت الوساوس، فما عليه إلا أن يردَّ ما يُشكل عليه ويؤرقه، ويكدر صفو اعتقاده بربه ويزعزعه إلى أهل العلم، لقول الله تعالى:{فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}.

وعلى من ابتلي بهذا الداء أن يستعين بكثرة الذكر؛ فإنه لا سلطان للشيطان على الذاكر، وعليه أيضا أن يكثر من الدعاء والتضرع إلى الله ليصرف عنه ما يجد. وليستعن بأهل الاختصاص من الأطباء. عافانا الله وإياكم والمسلمين من كل داء وبلاء، ورد كيد الشيطان إلى نحره، والحمد لله رب العالمين.


قلوب جريحة

"صلة الرحم" في الزمن الإلكتروني





قرّبت وسائل الاتصال الحديثة كل بعيد بعد ما كان التواصل صعبا بين الناس قديما. وصدقت نبوءة عالم الاتصال الشهير ماكلوهان بأن العالم سيتحول إلى قرية صغيرة.

وظن الإنسان مع ظهور وسائل الاتصال -مثل الهاتف والطائرات والقطارات والشبكة العنكبوتية "الإنترنت"- أنها ستزيد من انطلاقه وقضاء وظائفه المادية والاجتماعية، إلا أن الرحم كانت أولى من يشكو إلى الله تعالى هجر الناس، بسبب تلك التطورات ذات الحدين.

ولقد حث الشرع على التطور الحضاري، وعلى كل ما يكون فيه منافع اجتماعية، غير أن هذا الحث يجب أن يتبعه استنفاع يخدم حياة الناس، ويحقق التواصل الاجتماعي في المجتمع المسلم والمجتمع الإنساني.

ومن اللافت للنظر أن الإسلام يخاطب المسلمين دائما بأنهم أمة، وهو دليل على العالمية، وهذه الأمة يجب أن تكون موصولة فيما بينها، فكان هذا التطور الحديث في وسائل الاتصال والمواصلات معينا على تحقق التواصل بين الأمة، وأن تصل الأمة رحمها، فضلا عن الوصل القريب في البلد الواحد، أو في المدينة أو القرية الواحدة.

وتدخل صلة الرحم ضمن الشعائر الاجتماعية التي أمرت بها جميع الأديان، وأولاها الإسلام اهتماما شديدا؛ لأنه امتداد وتكميل لشرائع الله تعالى للأمم السابقة، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ} (البقرة: 83).

وصلة الرحم جزء من عملية الاتصال الإنساني الذي ينير أجزاء هامة من حياة الناس، يقول في ذلك الدكتور إبراهيم الفقي المتخصص الإداري: 'الاتصال كالوميض مهما كان الليل مظلمًا فهو يضيء أمامك الطريق دائمًا". ولهذا، فإن صلة الرحم ستضيء العلاقات الاجتماعية مهما كانت الخلافات بين الناس.

وهذا النور يتطلب منا أن نبدأ بأنفسنا ولا ننتظر حتى يأتي من يبدأ لنا صلة رحمنا؛ بل السبق فيه أولى؛ حتى لا تضيع تلك الفريضة بسبب الاتكال. وكما جاء في حكاية صينية: "قرر شاب في العشرين من عمره أن يغير العالم كله خلال عشرين سنة، وبعد عشرين سنة وقد صار في الأربعين من عمره وجد صعوبة شديدة في تحقيق ما كان يربو إليه، وأنه لم يستطع أن يغير العالم، فقرر أن يغير بلده خلال عشرين عامًا، وبعد العشرين عامًا، وقد كان في الستين من عمره، وجد أنه لم يصنع شيئًا، فقرر أن يغير من مدينته خلال عشرين عامًا، وبعدها، وهو ابن الثمانين آنذاك، قرر أن يغير من أسرته، وحين وصل إلى المائة لم يجد تغييرا، فاكتشف في النهاية تلك الحقيقة: "أن التغيير يبدأ من النفس".

إضافة الرحم إلى الله

ومن عجيب أمر الرحم أن الله تعالى أضافها إليه، وصرح بالأمر بها في أسلوب بلاغي يدفع للحرص على وصلها، يقول تعالى: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ} (الرعد: 21).

ومن اللافت للنظر في الإسلام أن صلة الرحم لها مستويات، تبدأ من بر الوالدين، وهو أعلى درجة في صلة الرحم؛ فكل وصل دون وصل الوالدين كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، أو هو شيء هش تخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق، أو هو كزبد البحر يذهب جفاء، فحق الوالدين مقدم على كل الحقوق عدا حق الله؛ بل يقدم حقهما أحيانا على بعض حقوق الله تعالى، إلا حق التوحيد؛ فبعده يأتي حق الوالدين، ثم يأتي حق الأقارب من الإخوة والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، ثم أبناء العم وأبناء العمة، وأبناء الخال وأبناء الخالة، وكل ذوي الأرحام.

ومن وصل الرحم وصل ما يجمع بين الناس من أصهار وأنساب. فالزواج في الإسلام ليس مبنيا على ارتباط رجل بامرأة، ولكنه يتعدى إلى أن تترابط الأسر؛ ليلتحم المجتمع في لحمة اجتماعية واحدة، وليتزاور الناس فيما بينهم.

وهناك رحم الإسلام، فكل من يشهد لله بالتوحيد، ولرسوله بالرسالة، وينسك نسك الإسلام، ويقيم شعائره، كان حقا على المسلمين أن يصلوه وإن اختلفت أشكال الوصل من درجة لأخرى.

ولهذا نجد الخطاب الواحد للأمة في القرآن الكريم: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء: 92). وقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (الحجرات: 10)، وقوله: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} (آل عمران: 103).

وإن كان الأخ يصل أخاه، فالرسول صلى الله عليه وسلم يشير إلى هذه الأخوة بقوله: "المسلم أخو المسلم"، بل يصل الأمر إلى حد الولاية، كما قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} (التوبة: 71). والولاية توجب الوصل بين من جمعتهم تحت لوائها
.

الوصل الإنساني



وهناك الوصل الإنساني؛ إذ كل الناس من آدم، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبا} (النساء: 1).

وهذا يوجب وفق دستور الإسلام أن تبادر الأمة الإسلامية بوصل من تربطهم بها رابطة الإنسانية، كما قال: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} (الإسراء: 70). وليس اختلاف العقيدة في حد ذاته موجبا للقطع؛ لأنه كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ} (التغابن: 2)، فوصل العلاقات بين البشر مطلب إسلامي.

ومن الوصل الإنساني الذي حث عليه الإسلام صلة الرحم بين الشعوب، فيتواصل كل شعب مع الآخر، تعاونا على البر والخير، وسدا للفساد والشر، وسعيا للإصلاح في الأرض، تحقيقا لمقصد التعمير الذي قال عنه الله تعالى: {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} (هود:61).

ومن تلك الدلائل على الوصل بين الشعوب، ما أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم من أمر المسلمين أن يستوصوا بأقباط مصر خيرا، فعن كعب بن مالك الأنصاري قال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إذا فُتِحت مصر فاستوصوا بالقبط خيرًا، فإن لهم دمًا ورحمًا". وفي رواية: "إن لهم ذمة ورحمًا" (الطبراني والحاكم).

ذلك أن هاجر أم إسماعيل كانت من مصر، وإسماعيل جد النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك مارية القبطية كانت من سراري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأم ابنه إبراهيم. وكانت مصر آنذاك غير مسلمة، فطلب الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتواصل المسلمون مع أهلها، وأن يستوصوا بهم خيرا، مع كونهم كانوا على غير ملة الإسلام.

ويستمر الهدي النبوي ليستوصي المسلمون في مصر الآن بأقباطها خيرا، وليصلوا رحمهم وفاء بالعهد، وحسن جوار، وحفاظا عليهم من كل أذى يصيبهم، وحرية في العقيدة فلا يجبروا على ترك دينهم، وإكرامهم في المعاملة، وكل ذلك من هدي الإسلام.

الواقعي ثم الإلكتروني



ولهذا، فإنه يمكن لنا أن نقول: إن الإسلام أمر بصلة الرحم أفرادا، وأسرا، ومجتمعا مسلما، وصلة للرحم بين الشعوب والأمم، بين الدول الإسلامية فيما بينها، وبين أمة الإسلام والشعوب الأخرى؛ ليكون وصل الرحم هو قارب النجاة للإنسانية كلها، وحافظ المجتمع من الانهيار الاجتماعي.

ولتكن تلك الوسائل الحديثة في المرتبة الثانية إنْ عجز الناس عن اللقاء والمباشرة. فإن دخول الإنسان لبيت أخيه مرة لا يعادله حديثه عبر الهاتف "والماسنجر" ألف مرة، وإنّ تلاقي الأجساد وحرارة اللقاء والتصافح ليدخل السرور على قلوب الناس، وتتساقط الذنوب عند التصافح كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم.

فإنْ عجز عن الوصل الواقعي المباشر فليكن الوصل الإلكتروني حافظا للرحم من الضياع، أو ميسرا له في بعض الأحايين التي من الصعب أن يتم فيه التواصل المباشر بسبب السفر للخارج، أو بعد المسافات في البلد الواحد، أو غيرها من الأسباب.

المهم في ذلك كله أن يتواصل المسلمون فيما بينهم، وأن يتواصلوا مع غيرهم لتطبيق تلك السنة الاجتماعية من صلة الرحم، سواء أكانت واقعيا أم إلكترونيا.



قلوب جريحة

أيها الآباء.. ارحموا الأبناء



ربما يكون طرحا جديدا أن نتحدث عن عقوق الآباء والأمهات لأولادهم، وذلك انطلاقا من مسئولية الآباء تجاه أبنائهم، والتي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته"، وليس من الحكمة أن يمرض الإنسان، ويخفي مرضه خشية منه، فذلك يعني أنه سيستمر المرض ويستشري في جسده، حتى يفتك به، ومثله السكوت عن أمراض المجتمع، فتركها يكاد يمزق بنية المجتمع ولحمته.

وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم إذا انتشر مرض في المجتمع، جمع الصحابة وخطبهم قائلا: "ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا"، حتى يلفت الانتباه إلى الخطر، ويقدم العلاج للناس.

وحتى نقف على الظاهرة من الناحية السلوكية في المجتمع يجب ألا نقف موقف المنظر الذي يقول: هذا واجب، وهذا حرام وهذا حلال، وهذا خطأ، وهذا عيب، بل نحن في حاجة إلى الغوص في حالات المجتمع حتى تتكون لنا صورة قريبة إلى الصورة الشاملة لهذه الظاهرة.

صور العقوق

ومن أهم صور عقوق الآباء للأبناء: التفرقة في المعاملة، فبعض الآباء والأمهات يجد بعض الأبناء أقرب إلى قلوبهم، فيظهرون هذا في معاملتهم؛ وهو ما يولد حقدا وكرها من الولد للأم والأب والإخوة أيضا، ولا يمكن لنا أن نحجر على الحب الزائد، فقد كان يعقوب عليه السلام يحب ولده يوسف -عليه السلام- أكثر من إخوته؛ وهو ما حدا بهم إلى محاولة قتله والتخلص منه، فرموه في البئر، غير أن يعقوب كان يدرك هذا تماما، ولم يكن يظهره.

ولما رأى يوسف عليه السلام الرؤيا {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}، قال له أبوه يعقوب عليه السلام {يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}، ثم فسر له الرؤيا، فقد أدرك خطر معرفة إخوته للرؤيا، وأن كيدهم سيزيد له، فقدم الأهم على المهم، ونصحه بإخفاء الأمر على إخوته أولا، ثم فسر له الأمر ثانيا.

وإن كنا لا نستطيع مصادرة القلوب، وأن نجعلها تقسم الحب بالتساوي، فيجب أن يظهر هذا في الأعمال المادية، من التسوية بين الأبناء في العطية، والابتسامة والقبلات وغيرها قدر الإمكان، وقد رفض الرسول أن يشهد على هبة والد لأحد أبنائه، وقال له: "إني لا أشهد على جور". وهذا يعني أنه قد يكون في القلب حب زائد لولد دون آخر، بشرط أن يبقى شيئا قلبيا "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك".

طبيعة التعامل

وبعض الآباء يرون أن تشديدهم على أبنائهم في بعض مظاهر الدين هو الدين كله، مع أنهم يخطئون في حق أبنائهم، فيتهمون أبناءهم في بعض السلوكيات على أنهم "فسقة"، وأنهم "منحلون"، وأنهم يريدون العبث واللهو، وهذا حرام، مع أن هذا الشيء قد لا يكون حراما، فهذا التضييق والتشدد يجعل الأبناء في حالة تشتت؛ لأن التشدد من الآباء يلقي بظلاله عليه.

وعلى الآباء أن يدركوا طبيعة المرحلة التي يعيشها أبناؤهم، وأن يدركوا أيضا أن الأجيال مختلفة، وأن التأثيرات في البيئة المحيطة تحدث نوعا من التغيير، ولهذا ما أحسن ما كان يعالج به النبي صلى الله عليه وسلم خطأ الناس، ومثال ذلك الشاب الذي جاء يستأذنه في الزنى، وكاد الصحابة أن يجنوا من طلبه وأن يبطشوا به، ولكنه قربه منه، وكلمه بحوار العقل والقلب، وطرح عليه أسئلة تهدم، بالحوار البناء، رغبته الهدامة، فقال له:" أترضاه لأمك؟" قال: لا والله يا رسول الله. فقال له صلى الله عليه وسلم: "فإن الناس لا يرضونه لأمهاتهم"، أترضاه لأختك؟ قال: لا والله يا رسول الله؟ قال: فإن الناس لا يرضونه لأخواتهم... وما زال به يذكر أقاربه من عمته وخالته، ثم وضع يده على قلبه، ودعا له بالهداية.

فخرج الشاب وهو يقول: والله يا رسول الله ما كان أحب إلى قلبي من الزنى، والآن ما أبغض إلى قلبي من الزنى. فإن رأى الآباء شيئا يكرهونه من أبنائهم، فليكن الحوار هو السبيل الأمثل للاقتناع لأجل ترك شيء، أو فعل شيء.


لا للاستبداد


ومن صور العقوق أيضا إظهار الآباء أنهم يملكون الحق الأوحد، وأن الأبناء دائما على خطأ، فيشعر الأبناء أن آباءهم وأمهاتهم لا يملكون القدرة على خطابهم، وأنهم يسيئون إليهم دائما؛ وهو ما يحدث فجوة كبيرة بين الآباء والأمهات.

إن احترام آراء الأبناء وسماعهم والتحاور معهم وإقناعهم هو السبيل للتربية الصالحة، أما أن يكون الآباء والأمهات ملائكة لا يخطئون، فهذا هو الخطأ بعينه، ولا يظن الآباء أنهم باعترافهم أنهم كانوا خاطئين في هذا الموقف أن صورتهم تهتز أمام أولادهم، إنها إن اهتزت لأول وهلة، ولكنها ما تعود لتثبت كالجبال الرواسي، كما أنه يولد في الأبناء الاعتراف بالخطأ، وما يتبع هذا من فوائد في حياة الأبناء.

ومن صور العقوق أيضا؛ الاستبداد في الرأي، وخاصة إذا كان هذا الرأي متعلقا بالأولاد، وأخطر هذا الاستبداد أخذ قرار بتزويج فتاة دون رضاها، فهذا من أشد العقوق، وقد جاءت فتاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه أن والدها أراد أن يزوجها قريبا لها ليرفع به خسيسته، فرد الرسول صلى الله عليه وسلم الزواج، فلما رأت الفتاة أن الأمر لها، قالت: يا رسول الله، قد أجزت ما أجاز أبي، غير أني أحببت أن أعلم من ورائي من النساء أن ليس للآباء في هذا الأمر شيء.

وهو درس للآباء أن من يتقدم قد توافق عليه الفتاة، وتراه مناسبا لها، غير أنها حين تشعر بالإجبار ترفضه، وموافقتها حق شرعي يسبق موافقة الأب نفسه؛ لأن هذه معيشتها وعشرتها لا معيشة أبيها ولا عشرته، ولكن يشترط موافقة أبيها لأنه الحارس الأمين عليها.

ومن مظاهر العقوق أن يدخل الوالد ولده -أو بنته- كلية لا يرغب فيها، أو أن يفرض عليه عملا معينا لا يحبه، أو مهنة لا يهواها، كل ذلك نوع من الاستبداد المرفوض، والذي يجب أن ينتهي الآباء عنه فورا.



عوامل خارجية



والعلاقات المحرمة من أهم مظاهر العقوق، فعدد غير قليل من الآباء المتزوجين لهم علاقات حب وعشق مع نساء أخريات، وهذا -فضلا عن حرمته- فإنه يؤثر سلبا على تربية الأولاد، بل يكتشف الأبناء -في بعض الأحايين- هذه العلاقة، فتنهار كل المثل العليا التي يرونها في أبيهم، وتتحطم في عيونهم الصورة الجميلة للأب، وقد يؤثر هذا عليهم سلبا فينشئوا هم علاقات محرمة؛ لأنه عند غياب التربية قد يقع الأبناء في معاصي الآباء.

ومثل تلك العلاقات يجب أن تكون واضحة، إما أن تكون في إطار حلال أو ترفض، وما أبلغ الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال:" اتق المحارم؛ تكن أعبد الناس".

ومن مظاهر العقوق الاهتمام بالمظهر دون المخبر، فكثير من الآباء يعتقدون، بالخطأ، أن دورهم محصور في توفير الطعام والشراب لأبنائهم، فيسعى للسفر حتى يعيش أبناؤه في معيشة أفضل، وهذا أمر لا بأس به لكن لا بد من دراسة الأمر جيدا من كل النواحي؛ فالسفر له موازناته، وقبل اتخاذ قرار بالسفر وترك الأولاد والزوجة يجب أن يقع حوار ومشورة بين الزوجين، كما لا بد من دراسة أثر ذلك على الأولاد، فمن الناس من سافر لجلب المال، فقامت الزوجة بدورها وحافظت على أبنائها، ومن الناس من أضاع أبناءه بسفره، بل ربما ضاعت زوجته مع أولاده أيضا.

ومن أشد الخطر في السفر غربة الروح والجسد، حين يسافر الوالد مع أبنائه إلى بلد غير بلده، فيبيع دينه لأجل دنياه، ومن قصص الواقع أن والدا من إحدى الدول العربية سافر إلى بلد أوربي ليقضي هو وأسرته الصيف فيه، فإذا بهم يقضون الليل في أماكن لهو وعبث، ذهاب هنا وهناك، الحرية ممنوحة للجميع، مشاهدة كل الأفلام التي لا تتناسب مع مجتمعنا وقيمنا وديننا، وبينا البنت تشاهد إحدى القنوات العربية، فإذا بها تسمع شيئا لم تسمعه منذ زمن، إنه الأذان من الحرم، فهز كيانها، وصرخت في وجه أبيها: لماذا أتيت بنا إلى هنا؟ أردت أن تضيع ديننا؟ وبعد هذا المشهد الذي أخرجت فيه الفتاة كل ما في قلبها، قرر الوالد العودة فورا، بعدما أفاق من غفلته.

وإن كان من الناس من يستثمر في الأموال، ولكن هناك من العقلاء من يستثمر في أولاده، وكم تفوق أبناء الفقراء، بحسن رعايتهم واهتمامهم؛ فالتفوق وحسن التربية لا علاقة لها بفقر أو غنى، ولكن لها علاقة بالتربية والبذل.

أخيرا:

العقوق من أمراض المجتمع، والتي يجب الانتباه لها، وأن توظف لها الطاقات المتنوعة، من دور العلماء في الدعوة وخطب الجمعة ودروس العلم، ومن الإذاعة والتلفزيون، ولعله قد يكون من المفيد أن يتبنى بعض الكتاب تأليف بعض الروايات عن هذه القضية، وأن تتحول هذه الروايات إلى مسلسلات وأفلام، حتى نستخدم الفن الهادف في علاج قضايانا، ولا شك أن الطرح الإعلامي من أبرز الوسائل تأثيرا في حياة الناس، خاصة في ظل العولمة التي نعيشها، والتأثيرات المتبادلة بين الحضارات من جراء ثورة الاتصالات.



قلوب جريحة

عقوق الآباء للأبناء.. ظاهرة منسية



على الرغم من عدم انتباه الكثيرين لها، فإن عقوق الآباء للأبناء ظاهرة قديمة، غير أنها تأخذ صورا وأشكالا شتى. ففيما يطالب كل الآباء أبناءهم بأن يبروهم ويعاملوهم بالحسنى، وتنطلق دعاوى العلماء والشيوخ والدعاة محذرة الأبناء من عقوق آبائهم، لا يلتفت أحد من هؤلاء جميعا إلى قضية حقوق الأبناء على آبائهم. بينما يصرخ العديد من الأبناء شاكين منددين بعقوق آبائهم لهم.

وقد آن الأوان أن نسمع للأبناء بعيدا عن سلطة بعض الآباء الذين نسوا دورهم في الحياة، وبالقطع لا ينسحب هذا الحكم على جميع الآباء، فمنهم البار ولكنهم قليل، وكثير منهم من يعق ولده، وهو ما جعلها ظاهرة موجودة في مجتمعاتنا...

فـ"سلمى" فتاة تبلغ من العمر 21 سنة، تقول عن نفسها: "ولدت في أسرة لا تحب إنجاب البنات؛ قاموا معي بأشد أنواع القسوة من الضرب والإهانة، كان لي أخ يصغرني بثمانية سنوات، فكان يتحكم في، كان يضربني ويحاسبني ولا أحد يكلمه. وعندما أتكلم وأحتج على ما يحدث معي يتم ضربي وإهانتي؛ مما يجعلني أتكلم معه بقسوة محاولة مقاومة هذا الظلم.


الحنان المفقود



أما هدى- طالبة بالفرقة الثانية في كلية الآداب، وكان من المفروض أن تكون في الفرقة الرابعة، غير أن معاملة البيت لها كانت السبب في تأخرها في الدراسة حسبما ترى هي.

وتعبر هدى عن عقوق أمها لها فتقول: "ما شعرت يوما بحنان الأب والأم؛ فالأم لاهية في شئون البيت والعمل، وكذلك الأب لا يسأل عني، كنت أتمنى أن يكون لي أب وأم، فهما موجودان معي، لكنهما غائبان دائما".

أما فاطمة- 22 سنة، تخرجت في كلية الهندسة، وتتعجب من رفض والدها من تدينها، وتحكي عن نفسها قائلة: "الحمد لله... أنا ملتزمة، ولدت في أسرة لا تعرف أي نوع من أنواع الالتزام. كان أحب إلي والدي أن أقول له: أنا سأذهب إلى النادي ولا أقول له: إني ذاهبة إلى مسجد.

وعندما أحتج على هذا يتم ضربي وسبي، فكنت أكذب لكي أنزل إلى المسجد أو أحضر درس علم، وأقول إنا ذاهبة إلى النادي، أو إني سأذهب إلى إحدى صديقاتي نتنزه وسأرجع متأخرة. ليس هذا فقط، بل عندما يتقدم لي شاب ملتزم يتم رفضه وطرده، لأنه ملتزم".

وتجد منى- الفرقة الأولى بكلية خدمة الاجتماعية- أن الحنان لدى أمها دون والدها، لكنها فقدت أمها بعدما ماتت، ولم يبق إلا الوالد الذي لم ينجح أن ينشئ حوارا بينه وبينها، فهو دائم الصراخ فيها، شديد العصبية معها، بل تكاد "منى" تبكي حين تذكر لشبكة "إسلام أون لاين.نت" أن أباها لم يقبلها مرة في العمر.

والأمر ليس حصرا على البنات، فـ"خالد" طالب بكلية الطب يبث همومه إلينا فيقول: "أنا شاب نشأت في أسرة لا أرى فيها أبي كثيرا، فهو كثير السفر، كل همه أن يأتي بالمال، اشترى لنا شقة في مكان مميز، واشترى لي سيارة. كل شيء أريده معي، غير أبي، تعرفت على أصحابي، ألهو وأعبث معهم، أسهر الليالي، أنجح في دراستي "بالعافية"، غير أني سئمت الحياة، كرهت الغنى، ليتني كنت فقيرا ومعي أبي".

وهذه نماذج نعتبر أنها غيض من فيض، وقليل من كثير، ولو كشف الغطاء عن عقوق الآباء لأبنائهم لرأينا عجبا..

لغة الحوار



يعتبر الداعية الكبير الدكتور عبد الصبور شاهين هذه الظاهرة انتكاسة للفطرة، فعندما يجد الأبناء الآباء لا وظيفة لهم في الحياة، فقد يصل هذا إلى حد الكره والرفض لهم. وإن كان الله تعالى قد طالب الأبناء بالدعاء لآبائهم كما قال تعالى: {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} (الإسراء:24). فأين هذه التربية لكي يرحمهما الله؟

هؤلاء آباء عقوا أبناءهم، والعقوق هنا مختلف، فالمعروف عقوق الأبناء للآباء، ولكن ما يحدث العكس. لذلك يصدق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليعن ولده على بره". فالمطلوب من الأب إعانة ولده على بره؛ وإلا فإنه سيحاسب على عقوقه لولده، كما يحاسب ولده على عقوقه.

وترفض الدكتورة منى الفرنواني- أستاذة علم الاجتماع بكلية البنات جامعة عين شمس بمصر أن ما يحدث من الآباء للأبناء عقوق، بل هو نوع من سوء المعاملة. وتضيف: من أهم أسباب سوء المعاملة أن كثيرا من الناس غير راغبين في الإنجاب مما يؤثر على سلوكهم مع أبنائهم، وأن بعضهم يرى أن الأبناء يتربون بدون أحد، فالدنيا تربيهم، ولا حاجة لهم في أن يتعبوا أنفسهم، وأن بعضهم مشغولون بمشاغل الحياة من الطعام والشراب، ولا وقت عنده للاهتمام بعملية التربية، وأسباب اجتماعية أخرى.

وتشير الدكتورة الفرنواني إلى أن التربية الآن كثيرا ما يغلب عليها انعدام لغة الحوار بين الآباء والأبناء، وسادت لغة الأمر الواجب تنفيذه بدون مراجعة، وصار الوالد في البيت هو "سي السيد" كما صوره نجيب محفوظ في بعض رواياته. ولكن من المهم أن يسمع كل منهما للآخر، فالزمن غير الزمن، والجيل غير الجيل، واللغة غير اللغة، وعند هذا الاختلاف يكون الحوار والتفاهم والسماع والإقناع من أهم وسائل التربية الحديثة.



دوافع العقوق



وحتى يمكن الوصول إلى حلول مناسبة لهذه القضية، فسنحاول خلال هذه السطور رصد دوافع سوء معاملة الآباء للأبناء والتي جاءت على النحو التالي:

الانفتاح على العالم في كافة الجوانب الثقافية والاقتصادية والقيمية: وهذا له أثر على ظهور أنماط وأساليب لا تتفق مع قيم آبائنا الأخلاقية. ومن هنا يأتي ما يسمى بالصراع بين الأجيال، كما تشير الدكتورة سهير العطار في كتابها "علم اجتماع عائلي".

الخوف الشعوري واللاشعوري: أما الدكتور وائل أبو هندي- الأستاذ المساعد للطب النفسي بجامعة الزقازيق، فيرى أن هذه الظاهرة تعود غالبا إلى نوعين من الدوافع، دوافع شعورية، ودوافع لا شعورية. ففي النوع الأول: يسيطر خوف الآباء من التغيرات الحاصلة في المجتمع علي طريقة التعامل مع الأبناء. أما في النوع الثاني فيظهر خوف فقدان السيطرة؛ فالشاب الذي يكبر يمكن أن يكشف عن بعض نقاط الضعف في والده الذي لم يحب أن يعرفها ابنه عنه.

التغيرات المتلاحقة في كافة أوجه النشاط الإنساني في المجتمع وما يصاحبه من تغيرات في القيم والاتجاهات والعادات: فلا شك أن لهذا أثره على أداء الأسرة لدورها التربوي والأخلاقي؛ إذ إنها تواجه العديد من التيارات الفكرية التي تتناقض مع القيم التي يعمل الآباء على دمجها في شخصية أبنائهم. وهذا ما حدث في حالة الفتاة الملتزمة خوف أبيها من الاندماج في أي تيار إسلامي ولهذا نجد التشدد في المعاملة عليها.

زيادة المتطلبات الأسرية نتيجة الانفتاح علي العالم: وتدني المستوى الاقتصادي للأسرة يلجأ الآباء إلى السفر لتوفير متطلبات أبنائهم المادية؛ وينسوا أهم متطلب وهو الحاجة المعنوية للأبناء كما يرى. عبد الباسط عبد المعطي في كتابه "نظرية في علم الاجتماع". وهذا ما حدث مع الشاب الذي فقد أباه نتيجة لسفره بالخارج.

خروج المرأة لمجال العمل أدى إلى تغير في توزيع الدوار بين أفراد الأسرة: فبعد أن كان الأب مسئولا على الإنفاق في الدور الأول والأم مسئولة عن التربية، أصبح دور التربية يقوم به مؤسسات وحضانات؛ فبالتالي فقد الابن لغة الحوار مع أهله،

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

2 رد: قلوب جريحه في الأحد يوليو 11, 2010 5:56 pm

جزاك الله خير
وربي يعافيك حلو جدااا ورائع ماطرحتيه
في موضوعك الرائع
ربي يعافيك على روعة حروفك

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

3 رد: قلوب جريحه في الإثنين يوليو 12, 2010 12:51 am

يسلموو ع الموضوع

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

4 قلوب جريحه في الإثنين يوليو 12, 2010 9:36 am

يسلمووو حبابي قلبي على توجداكم صفحتي

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى